عبد الكريم الخطيب
906
التفسير القرآنى للقرآن
عقولهم وقلوبهم . فهذا الذي ينذرهم به النبىّ ، هو من الإشراق والوضوح بحيث لا يخفى على ذي عقل ونظر أنه وحي من عند اللّه ، ولكن أنّى للعمي أن يبصروا ، وللصمّ أن يسمعوا ، وللحمقى أن يعقلوا ويعوا ؟ فكان لا بد أن ينخسوا هذه النخسة ، وأن يقرعوا بتلك المقرعة ، وأن يقال لهم عن هذا النور ، إنه نور ، وعن هذه الشمس ، إنها الشمس ! ! قوله تعالى : « وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ » . فهؤلاء المشركون ، الذين غرّهم باللّه الغرور ، فأمنوا مكره ، واستخفوا ببأسه - هم على حال من الضعف والاستخزاء يكادون يكونون بها مثلا فريدا في الناس . . فهم إذا مسّتهم نفحة من عذاب اللّه جزعوا ، وانحلّت قواهم ، وأكثروا من الصياح والعويل ، ونسوا ما كانوا عليه من تشامخ وتعال . . ولم يجدوا شيئا من العزاء والصبر ، على نحو ما يجد المؤمنون حين يبتلون من اللّه بشيء من الضر . والمسّ : دون اللّمس . . والنفحة من العذاب : أهون شئ فيه وأقله ، وهو بالنسبة للعذاب أشبه بالرحمة ، ولهذا عبّر عنه بالنفحة ، التي يغلب استعمالها في الخير . . فهذا العذاب الذي يمسهم اللّه به ، هو أقل العذاب ، وهو يعتبر نعمة ورحمة بالنسبة إلى العذاب ! فكيف إذا وقع بهم العذاب نفسه ، لا نفحة منه ؟ قوله تعالى : « وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ » .